البابا يوحنا بولس الثاني كان يحب "يو-هو". وخلال زيارته لدنفر، كولورادو، طلب إرسال بضع صناديق معه. ولأن الباباوات لا يقدمون إعلانات تجارية، اضطر الفاتيكان لإصدار بيان ينفي تفضيل البابا لمشروبات الشوكولاتة بالحليب الأمريكية.
تخيل للحظة أروقة القصر الرسولي. قد تتوقع سماع نقاشات حول العقائد، أو تفاصيل الطقوس الليتورجية، أو الجيوسياسية المعقدة للكرسي الرسولي. لكنك بالتأكيد لا تتوقع سماع إحاطة عاجلة ومضطربة تتعلق بمشروب بنكهة الشوكولاتة قادم من نيوجيرسي.
حدث هذا الأمر خلال زيارة إلى دنفر، كولورادو. فالبابا يوحنا بولس الثاني، الرجل الذي تُصاغ كل تحركاته وفق بروتوكولات التقاليد والوقار، راودته رغبة مفاجئة ومحددة. لم يطلب نبيذاً فاخراً أو حلويات فاخرة؛ بل طلب عدة صناديق من مشروب "يو-هو" (Yoo-hoo)[1]. قد يبدو الأمر مجرد حكاية لطيفة، أو لحظة إنسانية لأيقونة عالمية، ولكن بالنسبة للفاتيكان، كان الأمر بمثابة كابوس دبلوماسي وعلاقات عامة.
تعمل البابوية وفق مجموعة صارمة من القواعد غير المكتوبة؛ فالبابا هو قائد روحي وليس سفيراً لعلامة تجارية. لذا، فإن الإيحاء بأن "نائب المسيح" لديه ولع خاص بمشروب شوكولاتة أمريكي واسع الانتشار كان بمثابة اقتراب من فكرة الترويج التجاري، وهو مفهوم يتنافى تماماً مع قدسية المنصب. والنتيجة؟ اضطر الفاتيكان لإصدار بيان رسمي، وهو نفي صيغ بعناية، ليخبر العالم فعلياً أن البابا لم يكن، في الواقع، يفضل ذلك المزيج السكري.
مشكلة الرشفة الفاسدة
ولكن لماذا "يو-هو" تحديداً؟ لفهم سبب وصول هذا المشروب بالذات إلى يد زعيم عالمي، علينا أن ننظر إلى ما وراء الدسائس البابوية ونغوص في الواقع الصناعي لولاية نيوجيرسي في عشرينيات القرن الماضي. فقصة "يو-هو" ليست مجرد قصة نكهة، بل هي قصة صراع ضد البيولوجيا.
في منتصف عشرينيات القرن الماضي، كان ناتالي أوليفيري يدير عملية تعبئة في غارفيلد، نيوجيرسي. كان رجلاً طموحاً، يجرب مشروبات فواكه غازية متنوعة، ورأى إمكانية كبيرة في ابتكار مشروب شوكولاتة؛ مشروب يجمع بين لذة الكاكاو وسهولة استهلاك الصودا المعبأة. لكنه اصطدم بعقبة واجهت العديد من مبتكري الأغذية الأوائل: التلف.
الشوكولاتة مادة متقلبة؛ فعندما تحاول إنتاجها بكميات ضخمة في شكل سائل وغازي، يبدأ سباق مع الزمن فوراً. تتغير النكهات، وتفسد القوام، ويصبح المنتج غير قابل للشرب قبل أن يصل إلى الرفوف. بالنسبة لأوليفيري، بدا حلم إنتاج مشروب شوكولاتة مستقر وصالح للتخزين لفترة من الوقت وكأنه مستحيل علمياً.
لم يأتِ الاختراق من مختبر أو معادلة كيميائية معقدة، بل جاء من مراقبة الإيقاع المنزلي في بيته. راقب أوليفيري زوجته وهي تستعد للمواسم، مستخدمة تقنيات المعالجة الحرارية لحفظ الفواكه والخضروات. وأدرك أن المبدأ نفسه يمكن تطبيقه على مشكلة الشوكولاتة لديه: الحرارة هي المفتاح. ومن خلال تطبيق عملية "البسترة" — أي استخدام الحرارة للقضاء على الكائنات الدقيقة التي تسبب التلف — استطاع تثبيت المشروب دون تدمير خصائصه[1].
من غارفيلد إلى العالم
في عام 1928، آتت التجربة ثمارها. نجح أوليفيري في تعبئة مشروب الشوكولاتة المبستر تحت اسم "يو-هو"[1]. لقد كان انتصاراً للهندسة العملية المتخفية في هيئة مشروب منعش. وما بدأ في شارع فارنهام رقم 133 أصبح ركيزة أساسية في الذوق الأمريكي، ليجد طريقه في النهاية إلى محفظة كبار المصنعين مثل "كيوريج در بيبير"[1].
على مر العقود، تطورت الوصفة لتستقر على التركيبة التي نعرفها اليوم: مزيج من الماء، وشراب الذرة عالي الفركتوز، ومصل اللبن[1]. إنه مشروب صُمم ليكون متاحاً ومتسقاً؛ ذلك النوع من المنتجات الموثوقة التي تثير الحنين وتجد طريقها إلى متاجر البقالة، وكافيتريات المدارس، وأحياناً، إلى جداول الرحلات الدبلوماسية للباباوات المسافرين.
إنه تقاطع غريب بين العوالم. فمن ناحية، لديك التقاليد القديمة والمحافظ عليها للكنيسة الكاثوليكية، والحذرة من تأثير النزعة الاستهلاكية. ومن ناحية أخرى، لديك اختراع أمريكي من منتصف القرن وُلد من مراقبة زوج يشاهد زوجته وهي تحفظ الخضروات في مطبخ بنيوجيرسي. إنها تذكرة بأنه حتى في أكثر الحيوات رسمية، يمكن أن تظهر أكثر الرغبات غير المتوقعة و"غير البابوية"، مما يترك حتى الفاتيكان في حالة ارتباك لتفسير هذا العبث اللذيذ.





