تقترب من الزجاج، وهناك، وسط كومة من الخيزران التي تبدو بلا نهاية، يجلس مخلوق يجسد معنى "اللطافة". إنه أخرق، وأبيض وأسود، ويمكن القول بكل ثقة إنه أنجح سفير للعلامات التجارية على وجه الأرض. تلتقط صورة، وتشتري دمية محشوة من متجر الهدايا، وتشعر بنوع من الارتباط بهذا الزائر الغريب.
لكن هناك سوء فهم جوهري يكمن في قلب زيارتك لحديقة الحيوان. أنت تعتقد أنك تنظر إلى أحد سكان الحديقة، وتظن أن المؤسسة "تملك" حيوان باندا. في الواقع، حديقة الحيوان ليست سوى مستأجر؛ فهذا الدب ليس مقيمًا، بل هو مستأجر دولي بموجب عقد بملايين الدولارات وعالي المخاطر.
في عالم الحفاظ على البيئة والدبلوماسية رفيعة المستوى، لا يُعد الباندا العملاق مجرد حيوان، بل هو أصل سيادي. وكل واحد منها، مهما ابتعد عن جبال سيشوان، ينتمي إلى كيان واحد: جمهورية الصين الشعبية.
عقد إيجار بمليون دولار
لفهم حجم هذا الترتيب، عليك أن تنظر إلى ما وراء الخيزران وتتأمل في الدفاتر المحاسبية. عندما ترغب حديقة حيوان في استضافة باندا، فهي لا تقدم تبرعًا بسيطًا أو تقوم بعملية شراء لمرة واحدة، بل تدخل في اتفاقية تأجير معقدة قد تجعل كبار رجال العقارات يشعرون بالخجل من تعقيدها.
ما هي التكلفة؟ حوالي مليون دولار سنويًا لكل زوج من الحيوانات القابلة للتكاثر [1]. وهذا ليس ترتيبًا قصير الأمد، بل هي التزامات طويلة الأجل تستمر عادةً لمدة عشر سنوات كحد أدنى [1]. إنه مشروع مالي ضخم يتطلب من حديقة الحيوان الالتزام بعقد من الرعاية المتخصصة، وتوفير مرافق عالية المستوى، وتدفق مستمر لرأس المال.
ولكن لماذا توافق حديقة حيوان على مثل هذه النفقات الفلكية؟ لماذا تدفع مليون دولار سنويًا مقابل حيوان يُعرف بصعوبة تكاثره وصعوبة إبقائه سعيدًا؟ الإجابة تكمن في حسابات حدائق الحيوان الحديثة. الباندا هو مغناطيس بيولوجي؛ فهو يجذب الزوار، ويعزز مبيعات متجر الهدايا، ويمنح الحديقة مستوى من الهيبة لا يمكن لأي نوع آخر مضاهاته. إنهم بمثابة "الأفلام الضخمة" في عالم الحيوان؛ تكلفة إنتاجهم باهظة، لكنهم قادرون على تحقيق عوائد هائلة.
البنود البيولوجية الدقيقة
ومع ذلك، فإن العقد يتجاوز مجرد الرسوم السنوية. هناك بند في هذه الاتفاقيات غالبًا ما يغفل عنه المراقب العادي، وهو ربما الجزء الأهم في الصفقة بأكملها: ملكية الصغار.
في معظم حدائق الحيوان، عندما يلد حيوان ما، يصبح الصغير جزءًا من مجموعة الحديقة. أما مع الباندا، فإن قواعد البيولوجيا تخضع لقواعد الدبلوماسية. فإذا أنجبت باندا مستأجرة، فإن الصغار لا ينتمون إلى حديقة الحيوان، بل ينتمون إلى الصين [1].
يخلق هذا دورة رائعة، بل وسريالية، من إعادة التوزيع البيولوجي. قد تقضي حديقة الحيوان سنوات في إتقان الفن الدقيق لتكاثر الباندا، لتجد "نجاحها" قد حُزم في صناديق ونُقل جوًا مرة أخرى إلى الصين. إنه نظام مصمم لضمان بقاء المادة الوراثية لهذا النوع تحت سيطرة مركزية، تديرها الدولة التي تملك "براءة اختراع" هذا الحيوان نفسه.
تمويل الحياة البرية
إذا بدا لك هذا وكأنه مخطط ضخم لجني الأموال، فمن المهم النظر إلى أين تذهب هذه الأموال بالفعل. هذه ليست مجرد وسيلة للحكومة لزيادة خزائنها، بل هي آلية منظمة للغاية للحفاظ على البيئة.
إن ملايين الدولارات التي تتدفق من حدائق الحيوان الدولية عائدة إلى الصين مخصصة لغرض محدد للغاية: حماية النوع في موطنه الطبيعي. وبينما يوجد حوالي 350 باندا تعيش تحت رعاية البشر عالميًا، فإن الأولوية الحقيقية هي للمجموعات الأكبر بكثير، وإن كانت لا تزال معرضة للخطر، في البرية [1]. وتشير التقديرات الأخيرة إلى وجود ما يقرب من 1800 إلى 1900 باندا متبقية في بيئتها الطبيعية [1].
تعمل رسوم الإيجار بمثابة خدمة اشتراك عالمية لضمان بقاء الباندا. تمول هذه الأموال استعادة الموائل الطبيعية، ودوريات مكافحة الصيد الجائر، والعلوم المعقدة للحفاظ على الممرات التي تسمح للباندا البري بالالتقاء والتزاوج والازدهار. في الجوهر، يتم استثمار "لطافة" الباندا في الأسر لضمان بقاء نظيره في البرية.
دبلوماسية الدب
أخيرًا، يجب أن نتطرق إلى سبب هذا النظام من الملكية. هذا ما يسميه المؤرخون وعلماء السياسة "دبلوماسية الباندا". لعقود من الزمن، استُخدم الباندا العملاق كأداة للقوة الناعمة — وسيلة لبناء حسن النية وتعزيز الروابط بين الصين وبقية العالم.
من خلال "إعارة" هذه الحيوانات، يمكن للصين إرسال إشارات الصداقة، أو مكافأة الحلفاء، أو إصلاح العلاقات الدبلوماسية المقطوعة. إنها شكل من أشكال العملة البيولوجية. فوصول باندا إلى حديقة حيوان وطنية يعد حدثًا جيوسياسيًا كبيرًا، غالبًا ما يصاحبه زيارات دولة رفيعة المستوى واحتفاء دبلوماسي واسع.
لذا، في المرة القادمة التي تقف فيها أمام الزجاج، تراقب باندا يمضغ ساقًا من الخيزران، تذكر: أنت لا تنظر فقط إلى حيوان. أنت تنظر إلى دبلوماسي، وأصل بيولوجي، وتحفة فنية في العلاقات الدولية تبلغ قيمتها مليون دولار سنويًا. أنت لا تشاهد مجرد دب؛ بل تشاهد عملًا تجاريًا عالميًا ناجحًا للغاية، وفرويًا للغاية، وباهظ الثمن في أوج نشاطه.
المصادر
- World Wildlife Fund (WWF) - Panda Conservation Data and International Loan Agreements.



