رغم أن نظام تحديد المواقع العالمي (GPS) متاح للاستخدام مجانًا في جميع أنحاء العالم، إلا أن تشغيله يكلف مليوني دولار يوميًا، وتأتي هذه الأموال من عائدات الضرائب الأمريكية.

تُخرج هاتفك الذكي من جيبك، وتضغط على نقطة زرقاء على الخريطة، وتراقب سهماً صغيراً يرشدك عبر متاهة من شوارع المدينة. يبدو الأمر وكأنه سحر—خدمة أساسية منتشرة وغير مرئية تماماً مثل الكهرباء التي تسري عبر جدران منزلك. أنت لا تفكر في الآليات المعقدة؛ كل ما يشغل بالك هو الوصول إلى موعد غدائك في الوقت المحدد.

لكن تلك النقطة الزرقاء الصغيرة هي نتيجة لباليه تكنولوجي ضخم وصامت وباهظ الثمن للغاية، يحدث على ارتفاع 12,000 ميل فوق رأسك. وبينما تصل الإشارة إلى هاتفك مجاناً، فإن الآلات التي تحافظ على استمرارية هذه الإشارة تحمل تكلفة باهظة.

البنية التحتية غير المرئية

لفهم التكلفة، يجب عليك أولاً فهم النطاق. هذا ليس مجرد قمر صناعي واحد أو شبكة صغيرة من أجهزة الاستشعار. فنظام تحديد المواقع العالمي (GPS) هو كوكبة مترامية الأطراف تتكون من 24 قمراً صناعياً، تدور حول الأرض في رقصة دقيقة ومنظمة لضمان أنه بغض النظر عن مكان وقوفك على هذا الكوكب، سيكون هناك أربعة منها على الأقل "مرئية" لجهازك في أي لحظة[1].

لم يكن بناء هذه البنية التحتية بالأمر الهين. فمن أجل إطلاق الأجهزة، وإنشاء المحطات الأرضية، ووضع الإطار الرياضي المعقد الذي يسمح للمستقبل بتحديد موقعه عبر تثليث المواقع، بلغت التكلفة الأولية مبلغاً مذهلاً قدره 12 مليار دولار[1]. لقد كان استثماراً هائلاً في مستقبل الملاحة العالمية، وإنجازاً هندسياً غير بشكل جذري كيفية تفاعل البشرية مع الفضاء والزمن.

فاتورة المليوني دولار يومياً

ومع ذلك، فإن عملية "البناء" ليست سوى نصف القصة. ففي قطاع الفضاء عالي المخاطر، بمجرد إطلاق أصولك، يبدأ العمل الحقيقي. فالأقمار الصناعية لا تكتفي بمجرد البقاء في مداراتها؛ بل تتطلب مراقبة مستمرة، وتصحيحات مدارية، وتحديثات أمنية، وشبكة عالمية من البنية التحتية الأرضية لترجمة إشاراتها إلى شيء يمكن لجهاز المستهلك استخدامه فعلياً.

وفقاً لتقرير صادر عن خدمة أبحاث الكونجرس، تبلغ تكلفة التشغيل السنوية لنظام تحديد المواقع العالمي في البنتاغون حوالي 750 مليون دولار[1]. وعندما تقوم بتقسيم هذا الرقم، يصبح حجم الإنفاق اليومي من الصعب استيعابه: فهو يعادل ما يزيد قليلاً عن مليوني دولار كل يوم[1].

فكر في ذلك. في كل مرة تشرق فيها الشمس وتغرب، يتم ضخ مليوني دولار أخرى في صيانة نظام يعتبره معظمنا أمراً مسلماً به. هذه ليست رسوم اشتراك تدفعها لشركة Apple أو Google؛ بل هي عائدات الضرائب الأمريكية، الموجهة نحو نظام تديره المؤسسة العسكرية وأصبح بمثابة منفعة عامة عالمية.

صفقة رابحة أمام أعيننا

للوهلة الأولى، قد يبدو مبلغ مليوني دولار يومياً رقماً فلكياً—من نوع الأرقام التي تثير نقاشات حادة في جلسات استماع ميزانية الكونجرس. ولكن عندما تنظر إلى الفائدة الهائلة المقدمة، يظهر منظور مختلف.

فنظام تحديد المواقع العالمي ليس مجرد وسيلة للعثور على أقرب فرع لـ Starbucks. إنه النبض غير المرئي للاقتصاد العالمي؛ فهو يزامن الطوابع الزمنية للمعاملات المصرفية الدولية، ويدير توقيت شبكات الطاقة، ويسهل هبوط الطائرات التجارية، ويسمح بالحركة الدقيقة لسفن الشحن عبر المحيطات. إنه الطبقة التأسيسية التي بُني عليها الكثير من الحضارة الحديثة.

عندما توازن التكلفة السنوية البالغة 750 مليون دولار مقابل تريليونات الدولارات من النشاط الاقتصادي الذي يعتمد على تحديد المواقع والتوقيت الدقيق، تتغير الحسابات. ففي المخطط العام للبنية التحتية العالمية، قد يكون مبلغ المليوني دولار يومياً واحداً من أعظم الصفقات في تاريخ البشرية[1]. نحن ندفع مبلغاً إضافياً للحفاظ على عمل ساعة العالم وبوصلته، وفي المقابل، نحصل على عالم أكثر ترابطاً، وأكثر كفاءة، وأسهل بكثير في التنقل.

المصادر

  1. TIME: How much does GPS cost?