لو حاولت أن تبني النظام الشمسي بصدق، فستصطدم بالمشكلة نفسها التي يصل إليها الجميع في النهاية: الفضاء في معظمه فراغ. الكتب الدراسية تضغط هذا الفراغ. والملصقات تتحايل عليه. ونماذج القباب الفلكية توحي بأن الكواكب تعيش في ترتيب دافئ ومريح، كأنها زينات معلقة على مسافات مهذبة من بعضها.

أما السويد فتفعل شيئًا أكثر إدهاشًا وإرباكًا. إنها تجعلك تسافر من أجله.

في النظام الشمسي السويدي، ليست الشمس مصباحًا دراسيًا ولا كرةً مطلية. إنها قاعة غلوب أرينا في ستوكهولم، المعروفة الآن باسم Avicii Arena، مبنى هائل ومستدير إلى درجة تجعله يبدو ممثلًا مقنعًا لذلك الجرم الذي يعتمد عليه كل شيء آخر.[1][2] ومن هناك، لا تتجمع بقية مكونات النظام الشمسي حولها في ترتيب أنيق. بل تتوزع عبر البلاد كلها.

وهنا تكمن الحيلة التي تجعل المشروع كله عالقًا في الذاكرة. فعند مقياس 1 إلى 20 مليون، يمثل كل متر 20,000 كيلومتر في الفضاء.[1][2] فجأة، تصبح الكواكب الداخلية ضمن نطاق ستوكهولم الكبرى، بينما تنجرف الكواكب الخارجية إلى المطارات والمدن الجامعية والمدن الساحلية والبلدات الصغيرة الأبعد شمالًا. ويتوقف النموذج عن كونه مجرد مجسم، ليصبح درسًا في الجغرافيا بأبعاد كونية.

الشمس مبنى، وهذا بالضبط النوع المناسب من العبث

اختيار الغلوب ليس أمرًا عابرًا. فهو أكبر مبنى كروي في العالم، وهذا يمنح النموذج فورًا نوعًا من المصداقية المادية.[1][2] إذا كنت ستمثل الشمس بهذا المقياس، فأنت تحتاج إلى شيء ضخم. لا شيء رمزي. شيء ضخم فعلًا.

وهنا يظهر العمق الحقيقي لعبقرية المشروع. معظم النماذج المقياسية تصغّر الكون حتى يصبح سهل الاستيعاب. أما النظام الشمسي السويدي فيفعل العكس تقريبًا. إنه يحتفظ بشيء من شساعة الكون، بما يكفي لتشعر بمدى لا معقوليته. فالكواكب ليست صغيرة فحسب، بل إنها صغيرة وبعيدة أيضًا. وهذان نوعان مختلفان تمامًا من الضآلة، وهذا النموذج يجعلك تشعر بكليهما.

يبقى عطارد والزهرة والأرض والمريخ داخل ستوكهولم أو قربها، وهذا يمنحك في البداية شعورًا مريحًا.[2] ها هي العائلة الداخلية المألوفة، لا تزال قريبة بما يكفي لتتخيلها جيرانًا. لكن بعد ذلك يظهر المشتري قرب مطار أرلاندا، ويوضع زحل في أوبسالا، ويكون نبتون في سودرهامن، وينتهي المطاف ببلوتو في ديلسبو، على مسافة تقارب 300 كيلومتر من الغلوب.[1][2] وهنا يبدأ النظام الشمسي في أن يبدو أقل شبهًا بمخطط وأكثر شبهًا بحالة طقس. إنه يتمدد.

الكواكب الخارجية تعيد الجزء الذي تحذفه الكتب الدراسية

وهذا التمدد هو الفكرة كلها. فالنظام الشمسي الحقيقي ليس، في المقام الأول، مجموعة كواكب. بل مجموعة مسافات. نحن نميل إلى تذكّر الأسماء ونسيان الفراغ الواقع بينها. والنموذج السويدي يعيد هذا الفراغ إلى الصورة.

المشتري، على سبيل المثال، هائل الحجم في النموذج، إذ يبلغ قطره نحو 7.3 أمتار، ومع ذلك يجلس هذا العملاق على بعد 40 كيلومترًا من الشمس.[2] وزحل، رغم ضخامته، أبعد من ذلك. وبحلول الوقت الذي تصل فيه إلى أورانوس ونبتون، يصبح الدرس واضحًا بشكل لا يمكن تجاهله: دراما النظام الشمسي ليست فقط في أن الكواكب موجودة، بل في أنها موجودة على مسافات بعيدة إلى حد العبث.

وهذا ما تعلّمه لك رحلة الطريق عبر هذا النموذج على نحو أفضل من أي معرض متحفي تقريبًا. الفضاء ليس مزدحمًا. الفضاء وحيد. وإذا قدت السيارة من محطة إلى أخرى، فستجد أن ما تصادفه ليس مجرد منحوتة، بل فاصلًا. يصبح الفراغ نفسه جزءًا من المعرض.

ثم هناك بلوتو، جالسًا في ديلسبو كأنه نهاية جملة ظلّت تتمدد وتتمدد.[1][2] وحتى بعدما تغيّرت مكانته الرسمية من كوكب إلى كوكب قزم، ظل ثقافيًا شيئًا لا يمكن الاستغناء عنه، وهذا يجعل موضعه في النموذج أجمل بطريقة ما. إنه بعيد، ومصغّر المكانة، وما زال محبوبًا، وما زال هناك فعلًا.

نموذج للفلك، لكنه أيضًا نموذج للثقافة الإنسانية

ينجح النظام الشمسي السويدي لأنه ليس علميًا فقط. إنه أيضًا أسطوري وفني ومدني في تصميمه. فلكل محطة جهة مضيفة، والغاية من التركيبات أن تربط علم الفلك بالمكان المحلي، وبالفن العام، وبالحكايات القديمة الكامنة وراء أسماء الكواكب.[1] وهذا أهم مما يبدو في الوهلة الأولى.

كان من الممكن لنموذج معقم أن يجعل النظام الشمسي أوضح. أما هذا النموذج فيجعله راسخًا في الذهن.

فالكواكب لا تصلنا مجردة، بل مغلفة بحكايات موروثة، والسويد تميل إلى ذلك بوعي. المشروع لا يتظاهر بأن العلم يصلنا منزوعًا من الثقافة. بل يعترف بأننا نفهم السماء عبر الاستعارة والتسمية والعمارة والارتحال، بقدر ما نفهمها عبر القياس.

ولهذا السبب تجاوز النموذج الكواكب الكلاسيكية. فهو يشمل كواكب قزمة وكويكبات ومذنبات وحتى حدودًا خارجية مجردة، فيحوّل البلاد إلى خريطة متطورة لما تعتقده البشرية حاليًا عن النظام الشمسي.[2] وهذا اختيار أنيق على نحو هادئ. فالنموذج ليس نصبًا متجمدًا لما كان الناس يعرفونه يومًا ما. بل يمكنه أن يتوسع كلما اتسعت المعرفة.

الموضوع الحقيقي هو المقياس

هناك سبب يجعل الناس يتذكرون هذا المشروع بمجرد أن يسمعوا عنه. إنه يأخذ مفهومًا يدّعي الجميع أنهم يفهمونه، وهو المقياس، ثم يكشف أن معظمنا لا يفهمه إطلاقًا.

نقول إن الكواكب تدور حول الشمس، فتبدو الجملة مكتملة. لكنها تترك خارجها الحقيقة المادية للأمر. الأرض صغيرة إلى جوار الشمس. والمشتري هائل إلى جوار الأرض. ومع ذلك، فالمفاجأة الأعمق هي أن جميعها معلّق عبر مسافات شاسعة إلى درجة أن أمة كاملة يمكن أن تتحول إلى أداة تعليمية.

غالبًا ما يُوصَف النظام الشمسي السويدي بأنه أكبر نموذج مقياس للنظام الشمسي في العالم، وهذا صحيح بالمعنى الواضح.[1][2] لكن ما يجعله استثنائيًا ليس حجمه وحده. بل أمانته للمشقة. لكي تفهم هذا النموذج، لا يمكنك الوقوف في مكان واحد. عليك أن تتحرك. عليك أن تتنقل عبر الدرس نفسه.

وهذا ما يجعله صادقًا على نحو غير مألوف. فعلم الفلك مليء بأرقام ضخمة إلى درجة تصبح معها مجرد زينة. أما هذا المشروع فيعيد تلك الأرقام إلى الجسد. تشعر بها في زمن السفر، وفي الخرائط، وفي الإدراك الغريب بأن ما بدا متكتلًا في كتاب مدرسي هو في الحقيقة مبعثر عبر السويد.

لماذا يبقى حيًا

هناك كثير من المنشآت العلمية العامة التي تشرح الحقائق. لكن القليل جدًا منها يغيّر حدسك. النظام الشمسي السويدي يفعل ذلك. وما إن تفهمه، حتى لا يعود النظام الشمسي يبدو مضغوطًا وصغيرًا. بل يبدو فخمًا على النحو الذي يليق به.

وربما لهذا السبب استمر هذا النموذج. إنه تعليمي، نعم، لكنه أيضًا مسرحي بأفضل معنى للكلمة. فهو يستخدم ساحة كروية عملاقة بوصفها الشمس، ويرسل الكواكب شمالًا عبر البلاد، ويترك للمقياس نفسه مهمة إطلاق المفارقة الأخيرة.[1][2] تبدأ بفكرة ذكية، وتنتهي بحقيقة أشد صلابة: جوارنا الكوكبي هو في معظمه مسافة، والمسافة هي الحكاية.

هذا ما يجعل النظام الشمسي السويدي مرئيًا. ليس فقط أين توجد الكواكب، بل كم من العدم يجب أن يوجد بينها حتى يكون هناك نظام شمسي أصلًا.

المصادر

1. Sweden Solar System

2. Wikipedia - Sweden Solar System