في نوفمبر 1619، لم يكن رينيه ديكارت بعدُ ذلك التمثال الرخامي الذي نعرفه من كتب الفلسفة. كان في الثالثة والعشرين من عمره، في الخدمة العسكرية، يتنقل في أوروبا تعصف بها الحروب، ولا يزال يحاول أن يكتشف أيَّ نوع من العقول سيصير إليه.[1]

ثم جاءت واحدة من أغرب الليالي في التاريخ الفكري. كان ديكارت متمركزًا في نويبورغ أن دير دوناو، أثناء موجة برد قاسية، فأغلق على نفسه داخل غرفة مدفأة، يُرجَّح أنها كانت تُدفأ بموقد خزفي، هربًا من الطقس.[1] وهناك، في ليلة 10 إلى 11 نوفمبر، اختبر ثلاثة أحلام حية، أو رؤى، كانت قوية إلى درجة جعلته يعتقد أن روحًا إلهية قد كشفت له ملامح فلسفة جديدة تمامًا.[1]

هذا هو الجزء الذي يبدو شبه خيالي: مرتزق شاب، وحيد في غرفة دافئة، يخرج منها ومعه طريقة جديدة للتفكير. لكن بحسب السيرة المبكرة التي كتبها أدريان باييه، فهذا في الجوهر هو ما اعتقد ديكارت أنه حدث له. وبحلول اللحظة التي خرج فيها من تلك الغرفة إلى البرد من جديد، كان قد بدأ في بلورة فكرتين ستساعدان على تغيير العالم الحديث: الهندسة التحليلية، والاقتناع بأن المنهج الرياضي يمكن تطبيقه على الفلسفة نفسها.[1]

الجندي قبل الفيلسوف

من السهل أن ننسى إلى أي مدى تبدو بدايات ديكارت غير متوقعة عندما ننظر إليها بأثر رجعي. فقد درس في الكلية اليسوعية في لا فليش، ونال درجات في القانون في بواتييه، لكنه في عام 1618 انضم إلى جيش المقاطعات الهولندية بصفة مرتزق يتدرب ليصبح ضابطًا تحت قيادة موريس الناساوي.[1] لم يكن تائهًا بقدر ما كان يجرّب، وكأنه يرتدي حيوات مختلفة ليرى أيها يليق به.

كما وضعته الخدمة العسكرية على تماس قريب مع الرياضيات والهندسة. ففي بريدا درس الهندسة العسكرية، وتعرّف إلى إسحاق بيكمان، مدير مدرسة موهوب في الرياضيات، شجعه على صقل تفكيره العلمي.[1] وكان فيلسوف الشك المستقبلي، في هذه المرحلة، لا يزال يبني نفسه من الميكانيكا والهندسة والحرب والطموح.

وهذا مهم، لأن رؤى 1619 لم تهبط على عقل فارغ. لقد سقطت على ذهن كان مهيأً أصلًا لربط النظام بالعدد، والعدد بالواقع.

الأحلام الثلاثة

يقول حساب باييه اللاحق إن ديكارت رأى ثلاثة أحلام تلك الليلة وتعامل معها بوصفها كشفًا.[1] لم يفسرها على أنها ضوضاء عشوائية صادرة عن دماغ نائم. بل قرأها باعتبارها رسالة، ونداء، وإشارة إلى أن كل الحقائق مترابطة، وأن المعرفة الإنسانية يمكن إعادة تنظيمها من الأساس.

وفي رواية ديكارت نفسه، لم تكن التجربة عاطفية فحسب، بل كانت بنيوية أيضًا. فقد خرج منها مقتنعًا بأن العلم، إذا مورس على الوجه الصحيح، هو بحث عن الحكمة الحقة، وأن هذا سيكون العمل المركزي في حياته.[1] وهذا هو الجانب اللافت فعلًا. فالأحلام لم تلهمه فقط، بل أعطته برنامجًا.

ويُقال إن أحد هذه الأحلام تضمن صوتًا عنيفًا. والقراء المعاصرون، بوصفهم معاصرين، نظروا إلى هذه التفصيلة وتساءلوا عمّا إذا كان هناك شيء عصبي قد حدث. وتشير ويكيبيديا إلى أن الحلم الثاني ربما كان نوبة من متلازمة الرأس المنفجر، وهي ظاهرة غير مؤذية لكنها صادمة، يتخيل فيها الشخص صوتًا مرتفعًا مفاجئًا عند الاستغراق في النوم أو الاستيقاظ منه.[1] وهذا لا يفسر الليلة كلها، وبالتأكيد لا يفسر ديكارت نفسه. لكنه يذكّرنا بأن بعض أكثر اللحظات الصوفية تأثيرًا في التاريخ ربما جرت داخل أجساد بشرية جدًا.

ولادة منهج

ما يبدو أن ديكارت قد أدركه في تلك الغرفة الدافئة لم يكن مجرد فكرة واحدة، بل طريقة في المضي قدمًا. فإذا كانت الحقائق مترابطة، فربما أمكن للمرء أن يبدأ من شيء أساسي، ثم يتحرك إلى الخارج عبر المنطق، كما ينكشف البرهان الهندسي انطلاقًا من مبادئ أولى.[1]

وهذه كانت بذرة الأسلوب الديكارتي: أن تزيل الالتباس، وأن تشك في السلطة الموروثة، وأن تبدأ مما يمكن معرفته بوضوح، ثم تبني. إنه أسلوب مألوف جدًا لنا اليوم إلى درجة يصعب معها استعادة مدى راديكاليته حين ظهر. كان ديكارت يتخيل أن اليقين في الفلسفة قد يُنال بالطريقة نفسها التي يُنال بها اليقين في الرياضيات.

أما الرياضيات نفسها، فلم تبقَ على حالها عنده. فهو يُنسب إليه على نطاق واسع أنه ساعد في توحيد الجبر والهندسة فيما صار يُعرف بالهندسة التحليلية، ذلك الجسر العظيم الذي يجعل الأشكال معادلات، والمعادلات أشكالًا.[1] وهذا الجسر أهم بكثير مما يبدو. فقد ساعد على جعل حساب التفاضل والتكامل، والفيزياء الحديثة، وكثير من اللغة الرياضية التي نصف بها الفضاء ممكنة أصلًا.

لماذا تهم الغرفة

هناك شيء يكاد يكون رمزيًا في المشهد كله. في الخارج: حرب، وبرد، وأوروبا متصدعة. في الداخل: دفء، وعزلة، وتركيز. ينسحب ديكارت من ضجيج العالم، وبهذا الانسحاب يبدأ في تشييد فلسفة قائمة على الوضوح الداخلي.

وسيصير هذا النمط سمة مميزة له. فقد مضى لاحقًا ليصبح واحدًا من الشخصيات التأسيسية في الفلسفة الحديثة، واشتهر بالشك المنهجي، وبعبارة cogito, ergo sum، وبالتعامل مع الرياضيات بوصفها نموذجًا للتفكير المنضبط.[1] لكن قصة الأصل العاطفية أقدم وأغرب: شاب وحيد في الليل، مقتنع بأن الواقع انفتح له للحظة، وأراه هيكله الداخلي.

هذا لا يعني أننا مضطرون إلى قبول الأحلام بالطريقة نفسها التي قبلها هو. يمكننا أن نحمل فكرتين معًا. ربما مرّ ديكارت بتجربة روحية شديدة. وربما كان جزء منها حدثًا عصبيًا. وربما لم تهم الأحلام لأنها كانت خارقة للطبيعة، بل لأنها أصبحت مهمة في نظره. فالتاريخ مليء بالناس الذين يختبرون أشياء غريبة. لكنه ليس مليئًا بالناس الذين يستطيعون تحويل تلك الأشياء إلى منهج.

بعد الرؤى

في عام 1620، ترك ديكارت الجيش.[1] وخلال السنوات التي تلت، سافر، وعاد إلى فرنسا، ثم استقر لفترات طويلة في الجمهورية الهولندية، حيث كتب الأعمال الكبرى التي صنعت اسمه.[1] لكنه يبدو أنه ظل ينظر إلى تلك الليلة من نوفمبر بوصفها مفصلًا في حياته، اللحظة التي تحولت فيها الموهبة المبعثرة إلى اتجاه واضح.

ولهذا السبب بقيت هذه الحكاية حيّة. ليس لأنها تثبت أن الأحلام إلهية، أو أن الفلسفة تبدأ بالهلوسة، أو أن كل رجفة ليلية غريبة تخفي ثورة. بل لأنها تلتقط شيئًا حقيقيًا عن الاختراع نفسه. فالأفكار الكبرى لا تصل دائمًا في تسلسلات مرتبة وعقلانية. أحيانًا تأتي دفعة واحدة، مغلفة بالخوف، والبرد، والضجيج، والرموز. أما الصرامة فتأتي لاحقًا.

خرج ديكارت من تلك الغرفة وهو يعتقد أن المعرفة يمكن إعادة بنائها على أسس رياضية.[1] وبعد أربعة قرون، ما زلنا نعيش داخل عواقب ذلك الاقتناع.

المصادر

[1] Wikipedia: René Descartes