تخيل حقلاً من الأعشاب الطويلة. بالنسبة للمراقب العادي، قد يبدو هذا الامتداد من الريف الكمبودي مكاناً هادئاً، ولكن بالنسبة لشخص يعرف ما الذي يبحث عنه، فإن هذا الحقل ليس مجرد منظر طبيعي؛ بل هو حقل ألغام. كل خطوة هي مقامرة، وكل وقع قدم قد يكون الأخير. بالنسبة لمعظم الناس، هذا سيناريو كابوسي، أما بالنسبة لآكي را، فقد أصبح هذا هو أسلوب حياته.
إنه نوع غريب، بل ومتناقض من البطولة. فرجلٌ تدرّب ذات يوم على زرع تلك الأجهزة التي تمزق الأرواح، أصبح الآن هو الرجل المكلف بالعثور عليها. هو لا يطارد المتفجرات فحسب؛ بل يحاول محو آثار دمار تاريخٍ حاول كسره.
عبء الجندي الطفل
لفهم مهمة آكي را، يجب أولاً فهم بداياته. لم تكن طفولته محددة بالكتب المدرسية أو الملاعب، بل بفوضى نظام الخمير الحمر. وبينما لا يزال عام ميلاده الدقيق غير مؤكد - حيث يقدر أنه ولد حوالي عام 1970 أو 1973 - إلا أن صدمات سنواته الأولى لا يمكن إنكارها[1].
لم يكتفِ الخمير الحمر بزعزعة استقرار كمبوديا فحسب، بل فككوا مفهوم الأسرة تماماً. بالنسبة لآكي را، كان الفقدان مطلقاً: فقد قُتل والداه على يد النظام[1]. وبعد أن أصبح يتيماً في معسكر للخمير الحمر، احتضنته امرأة تُدعى "يورن"، اعتنت به وبمجموعة من الأطفال الآخرين الذين وقعوا ضحية لصراعات الثورة[1]. ولكن في نظام قائم على غسل الأدمغة، غالباً ما يكون للبقاء ثمن باهظ. ومثل الكثير من الأطفال الذين حوصروا في تروس الصراع، تم تجنيد آكي را، ليصبح جندياً طفلاً؛ جسداً صغيراً تدرّب على المشاركة في حرب لا مكان فيها للبراءة.
لقد أصبح ترساً في آلة مصممة للدمار. تعلم ميكانيكا الحرب، وكيفية وضع الذخائر، والمنطق القاتل للألغام الأرضية. ولكن عندما سقط النظام، لم تنتهِ الحرب بالنسبة لشعب كمبوديا؛ بل انتقلت ببساطة من ساحة المعركة إلى أعماق التربة.
خمسون ألف فعل من أفعال التحدي
عندما توقفت المعارك، ظلت الأرض مثخنة بالجراح. ملايين الألغام الأرضية ظلت مدفونة على عمق بوصات قليلة تحت السطح، تنتظر مزارعاً، أو طفلاً، أو مسافراً ليتعثر بها. لقد انتهت الحرب، لكن فتكها ظل دائماً.
في عام 1992، اتخذ آكي را قراراً سيحدد مسار حياته؛ حيث توقف عن كونه مشاركاً في الدمار وأصبح ممارساً لعكسه. ومنذ ذلك العام، نجح بمفرده في تحديد وتدمير ما يقدر بنحو 50,000 لغم أرضي[1]. ولتوضيح الصورة: هذا يعني 50,000 لحظة كان من الممكن أن تتحول إلى مأساة لولا تدخل رجل واحد.
لم يكن هذا مجرد وظيفة؛ بل كان فعلاً من أفعال التكفير عن الذنب. كان يعرف تماماً كيف تعمل هذه الألغام لأنه رآها تُستخدم كأدوات للرعب. كان يعرف أماكن اختبائها، وصواعقها، ومدى عدم اكتراثها بحياة البشر. ومن خلال مطاردتها، لم يكن يكتفي بتطهير الأرض فحسب؛ بل كان يستعيدها من أشباح الخمير الحمر.
من منزع ألغام إلى معلم
لكن رجلاً واحداً، مهما بلغت عزيمته، لا يمكنه تطهير دولة بأكملها. إن حجم المشكلة في كمبوديا أكبر من أن تحله البطولة الفردية وحدها. أدرك آكي را أنه لكي يحل المشكلة حقاً، عليه أن يبني نظاماً.
انتقل من العمل البدني في نزع الألغام إلى العمل الحيوي في التدريب. بدأ في تعليم الآخرين كيفية اكتشاف هذه البقايا القاتلة للحرب وتحييدها، مما ساهم في خلق جيل من الخبراء القادرين على القيام بما يفعله[1]. لقد حول مهارات البقاء لديه إلى تخصص مهني، لضمان انتقال المعرفة بكيفية عبور حقول الألغام إلى أولئك الذين هم في أمس الحاجة إليها.
ولعل مساهمته الأكثر تأثيراً هي "متحف الألغام الكمبودي" في سيام ريب[1]. يخدم المتحف غرضاً مزدوجاً: فهو مستودع للآثار المروعة للحرب ومركز للمناصرة في آن واحد. ومن خلال عرض هذه الألغام، فإنه يجبر العالم على مواجهة ما تركه الماضي خلفه. إنه متحف لا يكتفي بتعليم التاريخ فحسب، بل يعمل كتحذير حي. ومن خلال عمله، يدافع آكي را عن الضحايا - أولئك الذين تغيرت حياتهم بشكل لا رجعة فيه بسبب خطوة واحدة - ويدفع باتجاه استمرار جهود نزع الألغام الضرورية لجعل كمبوديا آمنة مرة أخرى.
إن قصة آكي را ليست مجرد قصة بقاء، بل هي قصة تحول. لقد أخذ أدوات صدمة طفولته واستخدمها لبناء أساس من الأمان لمستقبل بلاده. إنه يثبت أنه حتى عندما تولد في عالم مصمم لتدميرك، يمكنك أن تختار أن تكون الشخص الذي ينظف الحطام.


