تخيل أنك تدخل غرفة وتواجه درجة من اللون الأصفر نابضة بالحياة، ومستحيلة لدرجة أنها تبدو وكأنها حضور مادي وليست مجرد لون. ليس الأصفر المشمس للليمون أو المغرة الشاحبة للصحراء. إنه شيء أعمق، شيء أكثر غرابة. لابتكار هذا اللون، لن تبحث عن كيميائي أو زهرة؛ بل ستبحث في النظام الغذائي لبقرة.

في ركن محدد من الهند، كانت تجري عملية غريبة ذات يوم. كانت الأبقار تُغذى حصرياً على أوراق المانجو، وهو نظام غذائي غيّر بيولوجيتها بشكل جذري. وعندما كان يتم جمع بولها وتجفيفه، كان يترك وراءه صبغة لامعة ومضيئة تُعرف باسم "الأصفر الهندي". لقد كان لوناً وُلد من رحم البيولوجيا، تدرجاً لونياً يلتقط الضوء بطريقة لا يستطيع أي شيء آخر فعلها. ولكن مع توجه العالم نحو الأصباغ الاصطناعية والمعايير الصناعية الحديثة، اختفت هذه التقاليد الجميلة والغريبة بعض الشيء. اختفت الأبقار، ومعها اختفى اللون.

هذا ليس سوى واحد من الأشباح العديدة التي تسكن أروقة متاحف هارفارد للفنون في كامبريدج، ماساتشوستس. إنه مكان تُحفظ فيه تاريخ الإدراك البشري في أوعية ومساحيق وراتنجات مجففة—وهو مكان يتطلب نوعاً خاصاً جداً من الحراس.

كيمياء المستحيل

يعتقد معظم الناس أن المستلزمات الفنية هي أشياء بسيطة: أنابيب من الطلاء الزيتي، أعواد من الفحم، أوعية من الصبغة. ولكن إذا نظرت عن كثب إلى "مجموعة المواد" في هارفارد، ستدرك أنك لا تنظر إلى مجرد مستلزمات، بل تنظر إلى المكونات الخام، والخطيرة غالباً، والغريبة في كثير من الأحيان للتعبير البشري[1].

المجموعة هي مقبرة لكل ما هو استثنائي. هناك "دم التنين"، وهو راتنج أحمر عميق يبدو وكأنه شيء من رواية خيالية أكثر من كونه شيئاً من مختبر. وهناك "بني المومياء"، وهي صبغة—بالمعنى الحرفي للكلمة—صُنعت من مومياوات مصرية قديمة مطحونة، وهي ممارسة مروعة كانت توضع ببساطة على لوحات أساتذة عصر النهضة. وهناك أصباغ جميلة للنظر إليها ولكنها قاتلة عند لمسها، وأخرى نادرة جداً لدرجة أنها انقرضت فعلياً.

بالنسبة لغير المتخصصين، تبدو المجموعة وكأنها مجرد مجموعة من الغبار. ولكن بالنسبة للمرممين والباحثين الذين يعملون هنا، فإن هذه المواد هي الحمض النووي لتاريخ الفن. إذا كنت تريد أن تفهم لماذا تتوهج تحفة فنية من القرن السابع عشر بالطريقة التي تتوهج بها، أو لماذا بدأت لوحة من القرن التاسع عشر في التشقق والقتامة، فعليك أن تفهم كيمياء الأرض والحيوانات التي وفرتها.

حارس الأصباغ

إن إدارة هذه المجموعة لا تقتصر فقط على مسح الغبار عن الأوعية؛ بل تتعلق بإدارة مكتبة متطايرة من التفاعلات الكيميائية. بعض هذه الأصباغ حساسة للضوء، مما يعني أنها قد "تموت" إذا تعرضت للكثير من الشمس. والبعض الآخر غير مستقر كيميائياً، حيث يتغير لونه ببطء أو حتى يتآكل القماش الذي يستقر عليه.

الرجل المكلف بالإشراف على هذه المجموعة يعمل كجسر بين العالم القديم والمختبر الحديث. إنه وصي على الغرائب. يجب ألا يعرف الصيغة الكيميائية للصبغة فحسب، بل يجب أن يعرف قصة أصلها أيضاً: من أين استُخرجت المعادن، وكيف تم حصاد الحشرات، ولماذا كانت درجة معينة من اللون الأزرق ذات قيمة تفوق الذهب في وقت ما.

في عصر الكمال الرقمي، حيث يمكن تكرار كل لون باستخدام رمز "hex" على الشاشة، يبدو العمل على حماية هذه المواد المادية حيوياً بشكل متزايد. هذه الأصباغ هي البقايا الملموسة للبراعة البشرية. إنها تمثل زمناً لم يكن فيه اللون شيئاً تنقر عليه ببساطة، بل شيئاً تطارده، وتحصده، وتقطره بعناية من العالم من حولك.

عندما ننظر إلى تحفة فنية، فنحن لا نرى مجرد صورة؛ بل نرى نتيجة آلاف المعجزات البيولوجية والجيولوجية الصغيرة والغريبة غالباً. وبفضل العمل الدقيق في كامبريدج، يتم الحفاظ على تلك المعجزات—مهما كانت غريبة—لتندهش بها الأجيال القادمة.

المصادر

  1. Meet the man that protects the world's rarest colors