ثبّت بائعٌ المعكرونة في كيس من جبن كرافت برباط مطاطي. كانت الحزمة بسيطة إلى حد أنها بدت كارتجال في متجر بقالة، لكن كرافت رأت فيها شيئًا أكبر: عشاءً لا يعتمد على ركن الجبن الطازج، ولا على ثلاجة ممتلئة، ولا على كثير من المال.[1]

طرحت كرافت وجبة المعكرونة بالجبن المعلبة عام 1937، وقدّمتها على أنها وجبة تكفي أربعة أشخاص مقابل 19 سنتًا. وفي عامها الأول، باعت هذه الوجبة السريعة، الصالحة للتخزين على الرفوف، نحو 8 ملايين علبة، محوّلةً اقتصاديات زمن الكساد إلى عنصر ثابت في خزائن الطعام.

قبل ظهور العلبة بزمن طويل، كان للمعكرونة بالجبن سجل طويل في كتب الوصفات. تعود أقدم وصفة معروفة ومُسجّلة إلى عام 1769، ويُرجّح أن الطبق جاء من شمال أوروبا.[2] وفي الولايات المتحدة، كان توماس جيفرسون من أشهر من تبنّوا هذا الطبق مبكرًا؛ فقد تعرّف في أوروبا إلى أطباق معكرونة رائجة، وعاد بوصفات للنودلز وآلة لصنع المعكرونة، وقدّم المعكرونة بالجبن في عشاء رسمي عام 1802.[2]

كانت معكرونة جيفرسون تنتمي إلى عالم من المعدات المستوردة والمطابخ المجهزة جيدًا. أما Kraft Dinner فوصلت إلى بلد مختلف. ففي عام 1937، كانت العائلات لا تزال تعيش وطأة الكساد الكبير، وجاءت العبارة التسويقية على العبوة مباشرة وعملية: أربع حصص مقابل 19 سنتًا.[2] جمع المنتج بين المعكرونة المجففة ومكوّن جبن مُعالَج في عبوة غير قابلة للتلف سريعًا، بحيث يمكن أن ينتظر العشاء على الرف إلى أن تحتاج إليه الأسرة.[3]

اعتمدت تلك القدرة على البقاء على الرف على تقنية أقدم في صناعة الجبن. فقد حصل جيمس إل. كرافت عام 1916 على براءة اختراع لطريقة تصنيع الجبن المعالج، ما ساعد في إنتاج منتجات جبن تدوم مدة أطول من الجبن الطازج العادي.[3] وبالنسبة إلى عائلة تعدّ النقود القليلة، كان ذلك مهمًا بقدر أهمية المذاق تقريبًا. فالعلبة التي لا تفسد بسرعة كانت شكلًا صغيرًا من أشكال الأمان.

لم تكن العلبة الأولى تشبه كثيرًا تلك التي يعرفها الناس اليوم. ظهر Kraft Dinner في عبوة صفراء بحروف حمراء ولمسات كحلية، وكان يعلن عن عشاء لأربعة أشخاص يُحضَّر في تسع دقائق.[4] أما العلبة الزرقاء المألوفة فجاءت لاحقًا، بعدما غيّرت كرافت لون العبوة عام 1954 وجعلت اللون جزءًا من هوية العلامة التجارية.[4]

ومنحت الحرب العالمية الثانية المنتج فائدة أخرى. فمع تطبيق التقنين، أصبح الحصول على اللحوم الطازجة والمواد الأساسية من الألبان أصعب، وواصل خليط العلبة اكتساب الشعبية.[2] وتشير إحدى الروايات إلى أنه كان بالإمكان شراء علبتين من Kraft Dinner بقسيمة تقنين واحدة، وأن المبيعات بلغت 80 مليون علبة عام 1943.[1] فالوجبة التي صُممت لميزانيات الكساد ناسبت أيضًا خزائن زمن الحرب.

تغيّر الاسم مع انتقال المنتج بين البلدان. ففي الولايات المتحدة وأستراليا ونيوزيلندا أصبح يُعرف باسم Kraft Mac & Cheese، بينما ظل في كندا باسم Kraft Dinner، أو KD.[3] وبقي العرض بسيطًا: معكرونة مجففة، ومسحوق جبن، ووجبة جاهزة خلال دقائق.

لاحقًا، أعاد الطهاة في المطاعم والمنازل إلباس المعكرونة بالجبن ثوبًا أكثر فخامة، فأضافوا إليها البري، والتين، والفطر، واللحم المقدد، وفتات الخبز، وغيرها من اللمسات.[2] لكن النسخة المعلبة صمدت لسبب أبسط. فقد أجابت عن السؤال الذي يطرح نفسه عند الموقد في ليلة ضيقة الميزانية: ما الشيء الذي يمكن أن ينتظر في الخزانة، ويُطهى بسرعة، ويمتد ليكفي مائدة كاملة؟

كانت الإجابة موجودة أصلًا في تلك الحزمة الصغيرة التي صنعها البائع: معكرونة من جهة، وجبن من جهة أخرى، يجمعهما رباط مطاطي.

المصادر

  1. Back Then History، “تاريخ Kraft Macaroni & Cheese”
  2. Smithsonian Magazine، “المعكرونة بالجبن المدهشة”
  3. CulinaryLore، “أسطورة Kraft Mac & Cheese: لماذا انتصرت العلبة الزرقاء”
  4. Tasting Table، “علبة Kraft Mac & Cheese الأصلية لعام 1937 لا تشبه إطلاقًا نسخة اليوم”