في خضم الحرب الباردة، طرحت الولايات المتحدة سؤالًا مقلقًا إلى درجة أنه بدا أقل شبهًا ببحث علمي وأكثر شبهًا بتحدٍّ: هل يمكن لدولة ما أن تبني قنبلة نووية بالاعتماد فقط على معلومات غير مصنفة؟[1]
لذلك، في عام 1964، أجرى مختبر لورنس للإشعاع تجربة. ليس بمصممي قنابل مخضرمين، ولا بلمّ شمل سري لعلماء مشروع مانهاتن. بل سلّموا المسألة إلى ثلاثة فيزيائيين شباب لم يكن قد مضى على حصولهم على الدكتوراه وقت طويل، رجال لم تكن لديهم خبرة مباشرة تُذكر في تصميم الأسلحة النووية، وطلبوا منهم أن يروا إلى أي مدى يمكن للمراجع المفتوحة وحدها أن تقودهم.[1]
عُرف المشروع لاحقًا باسم تجربة الدولة رقم N، وكانت فكرته الأساسية مرعبة ببساطتها. فإذا كان بوسع حفنة من الأذكياء القادمين من خارج عالم السلاح النووي أن يرسموا تصميمًا موثوقًا لقنبلة اعتمادًا على مصادر عامة، فهذا يعني أن حاجز الوصول إلى السلاح النووي كان أقل مما أراد كثير من المسؤولين تصديقه. وإذا كان ذلك صحيحًا عام 1964، في زمن بطاقات الفهرسة الورقية وأرفف المكتبات، فإن تداعياته على الانتشار النووي كانت هائلة.[1]
تجربة ذهنية بعواقب حقيقية
كان تعبير “الدولة رقم N” يعني الدولة التالية، المجهولة، الدولة التي لا تملك القنبلة بعد لكنها قد تسعى إليها يومًا ما. هذا هو الخوف الذي كان يطاردهم. ليس فقط الاتحاد السوفيتي أو الصين، بل الدولة التي تأتي بعدهما، والتي بعد تلك. هل يمكن أن تنتشر القنبلة لا لأن الأسرار سُرقت، بل لأن العلم نفسه كان قد قطع شوطًا بعيدًا بما يكفي؟[1]
أراد المختبر أن يعرف ما إذا كان “بضعة فيزيائيين أكفاء”، مسلحين فقط بمواد غير مصنفة، قادرين على إنتاج تصميم سلاح معقول بعائد ذي أهمية عسكرية.[1] وهذه الصياغة مهمة. فالتجربة لم تكن تسأل ما إذا كان بإمكان هواة أن يركبوا شيئًا كارثيًا داخل مرآب. كانت تسأل سؤالًا أكثر استراتيجية، وأكثر إثارة للقلق بطريقته الخاصة: هل بات اللغز الفكري الأساسي قد خرج بالفعل من نطاق الاحتواء؟
كانت المكتبة هي المختبر
أول ما اكتشفه الفيزيائيون لم يكن معادلة سرية. بل كان أن قدرًا كبيرًا من المعرفة الأساسية موجود أصلًا في العلن. بحلول ستينيات القرن العشرين، لم يعد العلم الأساسي للانشطار النووي محبوسًا خلف جدار. برامج مثل Atoms for Peace شجعت انتشار المعرفة النووية عالميًا لأغراض مدنية، ولا سيما في مجال الطاقة. لكن تلك كانت المفارقة في قلب العصر الذري: المعرفة اللازمة لإضاءة المدن والمعرفة اللازمة لتهديدها لم تكونا يومًا منفصلتين تمامًا.[1]
ووصف أحد المشاركين لاحقًا العملية ببساطة تكاد تكون مقلقة. تذهب إلى المكتبة. تبحث تحت عناوين البلوتونيوم، واليورانيوم، والمتفجرات الشديدة، والفيزياء النووية. تواصل الحفر. تتبع المراجع. تعثر على مقالات وكتب ومنشورات تقنية. وببطء، تبدأ الصورة في التشكّل.[1]
وهذا بالتحديد ما منح التجربة أهميتها التاريخية. لقد أوحت بأن أصعب جزء في المشكلة النووية قد لا يكون معرفة ماهيّة القنبلة من الناحية النظرية. بل قد يكون كل ما يأتي بعد ذلك.
ما الذي أثبتوه فعليًا؟
بعد نحو ثلاث سنوات، أنهى الفريق عمله. غادر أحد الثلاثة الأصليين مبكرًا واستُبدل بآخر، لكن المشروع بلغ نهايته: دراسة تصميم جادة أُنتجت من مصادر مفتوحة على يد فيزيائيين لم يدخلوا الغرفة أصلًا بوصفهم خبراء في الأسلحة.[1]
لكن ذلك لا يعني أنهم بنوا قنبلة بالفعل. ولا يعني حتى أن جميع الخبراء اتفقوا على أن تصميمهم كان سيعمل تمامًا كما توقعوا. وهنا تحديدًا تصبح القصة أكثر إثارة. فقد صُنفت النتائج النهائية سرية من قبل لجنة الطاقة الذرية، رغم أن الفريق اعتمد على مصادر غير مصنفة. والوثيقة التي بقيت حتى اليوم مليئة بالحذف والطمس. كما أن الانتقادات اللاحقة المرفقة بالتقرير شككت في مدى الثقة التي ينبغي منحها للأداء المتوقع لذلك التصميم.[1]
بعبارة أخرى، لم تنتج التجربة نهاية هوليوودية نظيفة. بل أنتجت شيئًا أكثر فوضى وأكثر واقعية: برهانًا على أن المعلومات العامة قد تأخذك بعيدًا على نحو مقلق، إلى جانب تذكير بأن التصميمات على الورق والأسلحة في العالم الحقيقي ليسا الشيء نفسه.[1]
العقبة الحقيقية لم تكن المعرفة وحدها
وهنا يكمن الفارق الحاسم. لم تكن تجربة الدولة رقم N تدور في جوهرها حول ما إذا كان فيزيائي ذكي يستطيع فهم النظرية. بل كانت تدور حول ما إذا كانت دولة قادرة على عبور الهوة الأكبر بكثير بين النظرية والتطبيق الفعلي.
لأن السلاح النووي ليس مجرد فكرة. إنه إنجاز صناعي. فهو يحتاج إلى مواد نادرة، ومنشآت ضخمة، وعمليات معالجة متخصصة، وأموال، وانضباط هندسي، وقدرة على حل مشكلات لا تعلن عن نفسها مسبقًا. وقد أشارت استنتاجات التجربة نفسها إلى تلك العوائق العملية. فالحصول على المادة الانشطارية اللازمة، وبناء البنية التحتية لإنتاجها أو معالجتها، سيكون مشروعًا هائلًا بالنسبة إلى أي دولة تسعى لامتلاك السلاح النووي.[1]
وهذا ما يجعل القصة عصية على الزوال. فهي لم تكشف أن الأسلحة النووية “سهلة”. ليست كذلك. ما كشفته هو أن العالم كان قد تجاوز بالفعل عتبة أكثر دقة: عصر لم يعد فيه أصعب ما يمكن التحكم فيه هو المعادلة على السبورة، بل الآلات والمواد والتنظيم اللازم لتحويل تلك المعادلة إلى واقع.
لماذا لا يزال المؤرخون يتحدثون عنها؟
لا تزال تجربة الدولة رقم N تُستدعى كلما احتدم الجدل حول الانتشار النووي أو الإرهاب النووي. فبعضهم يراها دليلًا على أن حاجز المعرفة كان منخفضًا منذ عقود. وآخرون يرون أنها تثبت تقريبًا العكس: أن معرفة الخطوط العريضة للسلاح لا تعني القدرة على إنتاج سلاح يعمل فعلًا.[1]
وفي القراءتين شيء من الحقيقة. فقد أظهرت التجربة أن للسرية حدودًا. وبحلول ستينيات القرن العشرين، كان العلم النووي قد انتشر على نطاق أوسع من أن يُحبس من جديد. لكنها أظهرت أيضًا أن القدرة التقنية ليست مجرد معلومات. فهناك فرق شاسع بين فهم نظام ما، وبين امتلاك السيطرة على كل الخطوات المادية والصناعية اللازمة لتحويله إلى شيء حقيقي.
وربما يكون هذا هو الإرث الحقيقي للتجربة. فهي لم تحسم السؤال النووي مرة واحدة وإلى الأبد. لكنها جعلت تجاهله مستحيلًا. وفي عالم تتسرب فيه المعرفة المتقدمة إلى الخارج باستمرار، وتتداخل فيه التكنولوجيا المدنية والعسكرية مرارًا، وقد لا يشبه فيه المنتشر النووي التالي من سبقوه، فهذه ليست مسألة صغيرة.[1]
لقد طُلب من ثلاثة فيزيائيين شباب أن يجيبوا عن كابوس جاءهم في هيئة مهمة عمل. أمضوا سنوات وهم يفعلون ذلك. وما وجدوه في النهاية لم يكن طمأنينة. بل كان تحذيرًا.[1]
المصادر
[1] Atomic Heritage Foundation / Nuclear Museum: Nth Country Experiment






