على خريطة للعالم في أوائل العصر البرمي، لا تظهر الفجوة الأطلسية المألوفة لنا اليوم. فولاية فرجينيا الغربية تقع على اليابسة المتصلة نفسها مع ما سيصبح لاحقًا أوروبا وشمال أفريقيا، وعبر منتصف تلك القارة العملاقة يمتد حزام طويل من الجبال من الشمال الشرقي إلى الجنوب الغربي قرب خط الاستواء.[1]
ترتبط المرتفعات الاسكتلندية وجبال الأبلاش جيولوجيًا بوصفهما بقايا باقية من جبال بانجيا الوسطى، وهي سلسلة قديمة هائلة تشكّلت عندما اصطدمت الكتل اليابسة التي أصبحت لاحقًا أمريكا الشمالية وأوروبا وأفريقيا أثناء تجمّع قارة بانجيا.
تجعل تلك الخريطة القديمة الكرة الأرضية الحديثة تبدو مضللة. فجبال الأبلاش تنتمي اليوم إلى شرق أمريكا الشمالية. أما المرتفعات الاسكتلندية فتقع على الجانب الآخر من المحيط الأطلسي. لكن المحيط هو العنصر الأحدث. الجبال جاءت أولًا، قبل أن تنفصل أمريكا الشمالية وأوروبا بفعل الانجراف القاري.[2]
تكوّنت جبال بانجيا الوسطى في الجزء المركزي من بانجيا خلال عصور الكربوني والبرمي والترياسي.[1] وجاء ارتفاعها نتيجة الاصطدام: إذ ضغطت يورأمريكا، المعروفة أيضًا باسم لوروسيا، باتجاه غوندوانا بينما كانت القارة العملاقة تتجمع.[1] ولم تكن النتيجة نتوءًا جبليًا محليًا، بل نظامًا جبليًا ضخمًا بما يكفي ليترك أجزاءً منه موزعة على عدة قارات حديثة.
في أعلى ارتفاع لها خلال أوائل العصر البرمي، كانت جبال بانجيا الوسطى تضاهي جبال الهيمالايا الحالية في الحجم.[1] ومن السهل أن نغفل هذا الحجم اليوم، لأن أشهر بقاياها قد تآكلت واستدارت وتفرّقت بينها المحيطات. فالسلاسل الباقية ليست القمم القديمة بكامل عظمتها. إنها الأطلال.
السلسلة التي قسمها الأطلسي
ساهمت عدة حلقات من بناء الجبال في تكوين جبال بانجيا الوسطى، ومنها الحركات الأوروجينية الأكادية والكاليدونية والأليغينية والموريتانية والفاريسكية.[1] تبدو الأسماء متخصصة، لكن العملية الفيزيائية واضحة ومباشرة: اصطدمت القارات، وانطوت القشرة الأرضية وازدادت سماكة، وارتفع حزام من الجبال عبر قلب بانجيا.
تبدو قائمة البقايا كأنها أدلة متناثرة. فجبال الأبلاش وواشيتا في أمريكا الشمالية جزء من ذلك النظام القديم، إلى جانب جبال الأطلس والأطلس الصغير في أفريقيا، وبقايا أوروبية مثل الكتلة البوهيمية والكتلة الوسطى الفرنسية.[1] وتشير روايات أخرى عن السلسلة القديمة نفسها إلى اسكتلندا واسكندنافيا وغرينلاند والولايات المتحدة وأفريقيا باعتبارها شظايا حديثة من جبال بانجيا الوسطى.[3]
وتندرج المرتفعات الاسكتلندية في هذه القصة الأكبر عبر الجانب الكاليدوني من تاريخ الاصطدام. يصف أحد المصادر المرتفعات وأجزاءً من النرويج وغرينلاند بأنها قطع من الجبال الكاليدونية، بينما ساعدت مرحلة بناء جبال الأبلاش اللاحقة في تشكيل الجانب الواقع في أمريكا الشمالية مع اكتمال تجمع بانجيا.[2] إنها مناظر طبيعية منفصلة الآن، لكن تاريخ صخورها العميق ينتمي إلى عملية التجمع القاري نفسها.
ماذا حدث لسلسلة بحجم الهيمالايا
بحلول نحو 295 مليون سنة مضت، عند بداية العصر البرمي، كانت جبال بانجيا الوسطى قد بلغت أقصى ارتفاع لها بعد عملية بناء جبال بدأت قبل نحو 340 مليون سنة.[1] ثم بدأ التعرية تؤدي عملها الأكثر هدوءًا.
خلال العصر البرمي، أدت التجوية الفيزيائية والميكانيكية الشديدة إلى خفض القمم إلى نحو نصف حجمها الأصلي بحلول أواخر العصر البرمي، وقطعت بينها أودية عميقة.[1] وبحلول منتصف العصر الترياسي، كانت السلسلة قد تقلصت بدرجة كبيرة. وبحلول أوائل العصر الجوراسي، قبل نحو 200 مليون سنة، كان الجزء الأوروبي الغربي من سلسلة بانجيا القديمة قد أصبح بضع مناطق مرتفعة تحيط بها أحواض بحرية عميقة.[1]
كما تركت الجبال وراءها مادة كثيرة. فقد ساهمت الرواسب التي تعرّت من جبال بانجيا الوسطى في تكوين طبقات فحم هائلة في مناطق مثل الأبلاش، حيث تشكّلت ترسبات غنية بالكربون من الغابات الاستوائية الكثيفة في ذلك الزمن.[3] يمكن لسلسلة جبلية أن تتآكل وتظل رغم ذلك موجودة تحت الأقدام.
لذا فالحقيقة الغريبة ليست مجرد أن اسكتلندا والأبلاش تتشاركان قصة جبلية واحدة. بل إن المحيط الأطلسي يملأ الآن المساحة التي كان الاتصال قائمًا فيها. على خريطة العصر البرمي القديمة، لا يوجد محيط يفصل بين تلك الصخور، بل حزام جبلي واحد متآكل يمتد عبر منتصف بانجيا.




