في عام 1867، رأى ويليام طومسون، الذي عُرف لاحقًا باسم اللورد كلفن، حلقات دخان فتخيّل الكون معقودًا في حلقات. كان الفيزيائي الاسكتلندي بيتر تيت يجري تجارب على تلك الحلقات، فاستخلص طومسون منها فكرة كبرى: لعلّ الذرّات عُقَد من دوّامات ملتفّة في الأثير، بحيث يقابل كل عنصر نوعًا مختلفًا من العُقَد والروابط.[3]

منذ أن تبلورت نظرية العُقَد في القرن التاسع عشر، سجّل علماء الرياضيات في جداولهم أكثر من ستة مليارات عقدة ورابط. ويأتي هذا العدد من التعامل مع العقدة لا كرباط حذاء مرتخٍ، بل كحلقة مغلقة يمكن تصنيف شكلها المتشابك.

تلاشت نظرية كلفن عن الذرّات في النهاية، لكن مسألة الحصر والتصنيف بقيت حية بعدها. فإذا لم تكن ذرّات الصوديوم والذهب عُقَدًا دوّامية صغيرة، فإن السؤال الكامن خلف تلك الفكرة الخاطئة ظل قويًا: كم طريقة مختلفة حقًا يمكن أن تتشابك بها حلقة؟

العقدة الرياضية أكثر صرامة من عقدة رباط الحذاء. فلرباط الحذاء طرفان، ولذلك يمكن فكّه. أما في نظرية العُقَد، فتُوصل الأطراف لتكوين حلقة مغلقة. أبسط حالة هي حلقة عادية تُسمى العقدة غير المعقودة. أما العقدة الأشد إثارة فهي حلقة لا يمكن إعادتها بسلاسة إلى تلك الحلقة البسيطة من دون قطعها أو تمريرها عبر نفسها.[2]

الفهرس الذي تجاوز الحدس

على الورق، تبدو المهمة الأولى أشبه بلغز. ارسم تشابكًا. ثم ارسم آخر. وقرر هل هما مختلفان حقًا، أم إن أحدهما ليس سوى نسخة ممدودة أو ملتوية أو مدوّرة من الآخر. يصف منظّرو العُقَد عقدتين بأنهما متكافئتان عندما يمكن تحويل إحداهما إلى الأخرى بتشويه الفضاء حولها، من دون قطع الحلقة أو إجبارها على المرور عبر نفسها.[2]

كما يمكن للعقدة الواحدة أن تظهر في رسوم كثيرة. فقد يصف رسمان يبدوان غير مرتبطين الحلقة المغلقة نفسها، وهذا يجعل التصنيف أصعب من مجرد الفرز البصري. يستخدم علماء الرياضيات ما يُعرف بثوابت العُقَد، وهي كميات تبقى كما هي عبر أوصاف مختلفة، للمساعدة في التمييز بين العُقَد. ومن الأمثلة المهمة كثيرات حدود العُقَد، وزمر العُقَد، والثوابت الزائدية.[4]

كان روّاد نظرية العُقَد الأوائل يريدون جداول للعُقَد والروابط، حيث تعني الروابط عدة مكوّنات معقودة متشابكة بعضها مع بعض. ومنذ بدايات نظرية العُقَد في القرن التاسع عشر، جرى إدراج أكثر من ستة مليارات عقدة ورابط في الجداول.[4] وعند هذا المقياس، تكاد العقدة البسيطة المألوفة التي نربطها باليد تصبح مضللة؛ فحركة منزلية صغيرة تفتح الباب على تعداد رياضي هائل.

وقبل تلك الجداول بزمن طويل، كان البشر يربطون العُقَد للتثبيت، وتسجيل المعلومات، والتسلّق، والإبحار، والزينة، والرمزية الدينية. تظهر العقدة اللانهائية في البوذية التبتية، ويحتوي كتاب كِلز على زخارف سلتيّة معقّدة من العُقَد.[3] لم تخترع الرياضيات افتتان البشر بالعُقَد، لكنها منحت ذلك الافتتان مسألة للعدّ.

عندما بدأ الكيميائيون يربطون الجزيئات

في عام 1989، ابتكر الكيميائي جان-بيير سوفاج أول عقدة كيميائية اصطناعية، وهي عقدة ثلاثية الورقات تتقاطع خيوطها في ثلاث نقاط بالضبط. ولاحقًا، تقاسم سوفاج جائزة نوبل في الكيمياء لعام 2016 عن أعماله في الآلات الجزيئية.[1] لقد صار شكل من نظرية العُقَد مصنوعًا من الجزيئات.

ولسنوات بعد ذلك، ظل الجانب الكيميائي متأخرًا كثيرًا عن الجانب الرياضي. فقد قال ديفيد لي من جامعة مانشستر لاحقًا إن الكيميائيين، طوال السنوات الخمس والعشرين التالية، لم يتمكنوا من صنع عُقَد أكثر تعقيدًا من تلك الفئة الاصطناعية الأولى.[1] كانت الجداول تواصل النمو، بينما لم يستطع المختبر بلوغ إلا عدد قليل من أبسط الأشكال.

ثم أنتج فريق لي لاحقًا ما وصفته Journal of Young Investigators عام 2017 بأنه أشد عقدة إحكامًا صُنعت على الإطلاق. وفي بحث نُشر في Science، استخدم كيميائيو مانشستر الكيمياء الاصطناعية لتضفير خيوط جزيئية في بنية تضم أكثر من ثمانية تقاطعات.[1] كما وُصفت العقدة بأنها نوع من الآلات الجزيئية، وجزء من طريق نحو آلات تعمل على المقياس الجزيئي.[1]

وهكذا يبقى الموضوع متوازنًا بين نوعين من الصِغَر: جدول يضم أكثر من ستة مليارات مدخل، وخيط جزيئي جرى حثّه على أن يتقاطع بالطريقة الصحيحة. لقد اختفت حلقات دخان كلفن، لكن الحلقة بقيت، مغلقة على نفسها، بانتظار أن تُحصى.

المصادر

  1. Journal of Young Investigators, “Not Your Average Knot”
  2. Wikipedia, “Knot theory”
  3. Wikipedia, “History of knot theory”
  4. HandWiki, “Knot theory”